اقترب رمضان، وكعادتنا (نحن مسلمو هذا الزمان) بدأنا الجدل حول رؤية الهلال.. وباتت جميع الاستعدادات لتعميق الفرقة بين بعضنا البعض جاهزة حاضرة لساعة إعلان بداية الشهر الكريم.
فأصحاب الفضيلة أعدوا، وربما أصدروا فتاوى حرمانية الأخذ بالحساب، وبعض أصحابها (الفضيلة) الآخرين وأصحاب الشهادات العلمية في الفلك والرياضيات بدؤوا حملتهم المعتادة لتسخيف إنكار الحساب.. وربما أخبروك ببداية الشهر حسابيا، وإفتائياً!!
وبعد أيام سيبدأ المسلمون حول العالم كعادتهم كل عام صيام الشهر تباعاً على فوجين أو أكثر، ثم يستمتعون بشعور الأمة الواحدة لفترة قد تصل إلى ثمانية وعشرين يوماً حتى يأتي العيد السعيد ويفرق بسعادتة البالغة شملهم مرة أخرى!
في مثل هذه الأيام من كل عام يأخذ كل صاحب رأي موقعه مستعدا بحماس للهجوم:
-
البعض، يرفض الأخذ بالحساب جملة وتفصيلا في إثبات رمضان، فنحن أمة أمية لا نقرأ ولا نكتب، وقياسا عليه: ولا نحسب! ولعل تطابق مطالع بقية الأشهر مع التقاويم الحسابية ومواقيت الصلوات الخمس والكسوف والخسوف هو من حفظ الله لدينه الحنيف، وتسخيره “للتنجيم والدجل” في خدمة المسلمين.
-
والبعض يرى الأخذ بالحساب في النفي، فلا نصدق من “يزعم” رؤية الهلال قبل ولادته حسابيا. أما إذا أثبتت الحسابات إمكان رؤيته ولم يتقدم أحد للشهادة برؤيته يستدل بذلك على عدم دخول الشهر! أي أنه يشترط لتحديد بداية الشهر ولادة القمر وشهادة البشر، أو انتفاؤهما سويا!
-
البعض الآخر يرى الأخذ بالحساب مطلقا، فهم مستعدون لرمضان القادم بعد عشرين سنة إن أحياهم الله تعالى! وتقاويمهم بكل فخر وثقة مطبوعة وجاهزة دائما. ومع ذلك تراها مختلفة! لأنهم لم يتفقوا على علامة بدء الشهر حسابيا، فهل يبدأ الشهر حين ولادة الهلال، أم حين يثبت الحساب إمكان رؤيته؟ وبعد كم من ولادته يمكن أن يراه الناس؟ وهل تعتمد الرؤية بالعين أم بالتلسكوب؟ فهذه غير تلك..
هذا المشهد ليس أبدا مشهدا لاختلاف الأمة، بل هو مشهد لتخبط غير العالمين! فأصحاب الفتاوى ليسوا على علم بعلوم الفلك (يسمونها علوم التنجيم). إن أحدا من أصحاب الفضيلة لم يجلس على كرسي الدراسة ليتلقى علوم الرياضيات والفلك ليصل فهمه فيها حتى إلى مستوى طالب جامعي في كلية العلوم! وجلهم ليس مستعدا لذلك أصلا، بخاصة بعد أن صاحب الفضيلة!
وأصحاب الفلك في أحسن الأحوال ضعيفوا الحجة الشرعية، كما أن أحدا منهم لم يصحب عالما أو فقيها ليتبحر في علوم الشريعة بما يخوله إصدار الفتوى ولو في أحكام الفلك فقط. وجلهم لم يعد قادرا على ذلك أصلا.
وبين هؤلاء وهؤلاء من هم ليسوا على علم ولا أصحاب حجة وهم درجات!
بقي أن تجمع مؤسسة مهتمة بين عالم الدين وعالم الفلك في مشروع يهدف إلى دراسة وتحديد وتدقيق كل ما يتعلق بدخول الشهر الهجري عند المسلمين. ولا يعيق هذا المشروع إلا وجود مؤسسة غربية تهتم بالموضوع.
ولكن تجمع “الأمم” الواحدة على: صوموا تصحوا..